الشيخ محمد هادي معرفة

406

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الآخر : هو الكتاب بمعنى المكتوب المكنون ، كقوله تعالى : « فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ » . « 1 » قال : وقد توسّطت لفظة « كتاب » بين قوله : « لِكُلِّ أَجَلٍ » مرادا به الأمد المحدود ، وبين قوله : « يَمْحُوا . . وَيُثْبِتُ » مرادا به الكتاب المكنون . . . فيكون تقدير الكلام : لكلّ حدّ مؤقّت مكتوب يُمحي ويُثبت . « 2 » وخلاصة المعنى : إنّ الآجال مقدّرة محدودة ومثبّتة في كتابٍ عند اللّه . وكلّ امّة إنّما تقضي أجلها . وهو لايتغيّر ولايتبدّل عمّا أثبته اللّه في الكتاب . نعم هذا لا يعني أنّ الأمور ختمت على ماثبتت أولًا ، وإنّما أزمّة الأمور بيده تعالى ، يمحو منها ما يشاء ويثبت حسب علمه تعالى بمصالح العباد . * * * ومنه قوله تعالى : « وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( إلى قوله : ) وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ » . « 3 » فالمراد بالمطلّقات أوّلًا المدخول بهنّ من المتزوّجات ، سواء كان الطلاق خُلعيا بائنا ليس للزوج حقّ الرجوع ، أم رجعيا له الحقّ . لأنّ الاعتداد واجبٌ على كلا التقديرين . وأمّا الضمير في « بُعُولَتُهُنَّ » فيعود على الرجعيّات من المطلّقات ، ليس العموم . قال الطبرسي : وهذا يختص بالرجعيات ، وإن كان أوّل الآية عامّا في جميع المطلّقات الرجعية والبائنة . « 4 » * * * وقوله تعالى : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها » . « 5 » قوله : « أَوْرَثْنَا الْكِتابَ » أي علمه . قوله : « اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا » الإضافة ليست تشريفية ، كما في قوله : « بَعَثْنا عَلَيْكُمْ

--> ( 1 ) - الواقعة 78 : 56 . ( 2 ) - بديع القرآن ، ص 104 . ( 3 ) - البقرة 228 : 2 . ( 4 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 327 . ( 5 ) - فاطر 33 : 35 - 34 .